محمد الغزالي
87
خلق المسلم
الثانية ، أما الغرض النبيل ، فربما كان له موضع أخير ، وربما عزّ له موضع ، وسط هذا الصخب . ولقد حدث أن واحدا من أولئك الأغرار وفد إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « . . . عليه شارة حسنة » فجعل النبي لا يتكلم بكلام إلا كلفته نفسه أن يأتي بكلام يعلو كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ! ! فلما انصرف قال رسول اللّه : « إن اللّه لا يحب هذا وأضرابه ، يلوون ألسنتهم للناس ليّ البقر بلسانها المرعى . كذلك يلوي اللّه تعالى ألسنتهم ووجوههم في النار » « 1 » . والجدال في الدين ، والجدال في السياسة ، والجدال في العلوم والآداب ، عندما يتصدى له هذا النفر من الأدعياء البلغاء ، يفسد به الدين ، وتفسد السياسة والعلوم والآداب ، ولعل السبب في الانهيار العمراني ، والتحزب الفقهي ، والانقسام الطائفي ، وغير ذلك مما أصاب الأمة الإسلامية ، هو هذا الجدل الملعون في حقائق الدين ، وشؤون الحياة . والجدل أبعد شيء عن البحث النزيه والاستدلال الموفق . روي عن عدد من الصحابة ، قالوا : خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوما ونحن نتمارى في شيء من أمر الدين ، فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله ، ثم انتهرنا فقال : « مهلا يا أمة محمد ، إنما هلك من كان قبلكم بهذا ؛ ذروا المراء لقلة خيره ، ذروا المراء فإن المؤمن لا يماري ، ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته ، ذروا المراء فكفى إثما ألا تزال مماريا ، ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة ، ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة ، رباضها ، ووسطها ، وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق . ذروا المراء ، فإن أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان المراء » « 2 » . * * * وللناس مجالس يتجاذبون أطراف الحديث فيها ، والإسلام يكره مجالس القاعدين الذين يقضون أوقاتهم في تسقّط الأخبار وتتبّع العيوب ، لأن لهم
--> ( 1 ) الطبراني . ( 2 ) الطبراني .